سيد محمد طنطاوي
15
التفسير الوسيط للقرآن الكريم
الأمر ، لأنهم يأكلون ويتمتعون سواء أترك الرسول صلى اللَّه عليه وسلم دعوتهم أم دعاهم . والفاء في قوله - سبحانه - * ( فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ ) * للتفريع الدال على الزجر والإنذار . والاستجابة للحق قبل فوات الأوان . أي : ذرهم فيما هم فيه من حياة حيوانية ، لا تفكر فيها ولا تدبر ، ومن آمال خادعة براقة شغلتهم عن حقائق الأمور ، فسوف يعلمون سوء عاقبة ذلك وسوف يرون ما يحزنهم ويشقيهم ويبكيهم طويلا بعد أن ضحكوا قليلا . . . وفي ذلك إشارة إلى أن لإمهالهم أجلا معينا ينقضي عنده ، ثم يأتيهم العذاب الأليم . قال الآلوسي - رحمه اللَّه - : وفي هذه الآية إشارة إلى أن التلذذ والتنعم ، وعدم الاستعداد للآخرة ، والتأهب لها ، ليس من أخلاق من يطلب النجاة . وجاء عن الحسن : ما أطال عبد الأمل إلا أساء العمل . وأخرج أحمد في الزهد ، والطبراني في الأوسط ، والبيهقي في شعب الإيمان عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده - لا أعلمه إلا رفعه - قال : « صلاح أول هذه الأمة بالزهد واليقين ، ويهلك آخرها بالبخل وطول الأمل » . وفي بعض الآثار عن علي - كرم اللَّه وجهه - : إنما أخشى عليكم اثنين : طول الأمل ، واتباع الهوى ، فإن طول الأمل ينسى الآخرة ، واتباع الهوى يصد عن الحق » « 1 » . هذا ، وشبيه بهذه الآية قوله - تعالى - : فَذَرْهُمْ يَخُوضُوا ويَلْعَبُوا حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي يُوعَدُونَ « 2 » . وقوله - تعالى - : فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيه يُصْعَقُونَ « 3 » . وقوله - تعالى - : قُلْ تَمَتَّعُوا فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إِلَى النَّارِ « 4 » . ثم قرر - سبحانه - أن هلاك الأمم الظالمة ، موقوت بوقت محدد في علمه ، وأن سنته في ذلك ماضية لا تتخلف ، فقال - تعالى - * ( وما أَهْلَكْنا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا ولَها كِتابٌ مَعْلُومٌ . ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وما يَسْتَأْخِرُونَ ) * .
--> ( 1 ) تفسير الآلوسي ج 14 ص 9 . ( 2 ) سورة الزخرف الآية 83 . ( 3 ) سورة الطور الآية 45 . ( 4 ) سورة إبراهيم الآية 30 .